اولياء چلبي
216
الرحلة الحجازية
العباسيين ، وبالتحديد المهدى العباسي ، وبعده ، وبمرور الأيام تهدمت ، فأمر سليمان خان ببناءها من جديد على طابقين من الحجر الأصفر . . وكان أمره أن تكون منارة رائعة . ومن يتفحصها فكأنها شجرة السرو السامقة . والمنارة الرابعة . . وهي أيضا من بناء المهدي ، وهي كذلك بمرور الآيام تهدمت ، فبناها بعده حاكم الموصل وهي ذات شرفتين . . وعند باب زياد أقام الملك أشرف برسباى « 1 » أحد سلاطين مصر منارة . وهي طبقتان . غاية في الإبداع ، والصنعة . . وهي منارة سرمدية . والمنارة السابعة ، هي أعلى المنارات جميعا ، وأكثرها ارتفاعا . . ولا مثيل لها . . وقد صرف المهندس المعمارى الذي أبدعها فيها جهدا ، بحيث جعلها شيئا مختلفا ؛ في الفن ، والابداع عن كل الّاخريات . . وصدق من قال ( من لم يره لم يعرف ) . وعلى هذه المنارات السبع ، لا يصعد الأربعة عشر مؤذنا . . بل الآخرون يوقدون عليها القناديل في الليالي المباركة . . وكل هذه المنارات ، ما عدا الإحدى والعشرين طبقة ، مطلية بالذهب حتى قمتها . ويوقد حول كل منهم القناديل ، بحيث يصير حول كل واحدة خمسة أو ستة طوابق من القناديل المشعشعة بالضياء . وتصبح المنارة وسطها وكأنها شجرة السرو السامقة الارتفاع . وتظل على هذا المنوال إلى أن يغادر مكة المكرمة حجاج بيت اللّه الحرام . ويبلغ عدد القناديل المضاءة خلال موسم الحج الشريف حوالي ثمانية آلاف قنديل فتحول المكان ليلا وكأنه نهار مشرقة شمسه ، ساطعة سماءه . . وإذا كنا في هذه المقتطفات السابقة قد أحطنا علما بأبواب الحرم ، وأعمدته ، وإيواناته . . ومناراته . . فمن الجدير أن نلقى بعض الاجتهادات حول بيت اللّه ، الكعبة المشرفة التي هي مهجة الفؤاد ، وكما تتوسط الحرم الشريف ، فإنها تسكن ، وتتربع في سويداء القلب لدى كل المسلمين الذين يقصدونها ملبين ومكبرين . * * *
--> ( 1 ) الملك أشرف برسباى : من ملوك وسلاطين المماليك في مصر . وله باع طويل في عمل الخيرات ، وما زالت مآثره المعمارية تشهد على عظمة عصره .